محمد جواد مغنية

384

في ظلال نهج البلاغة

عليه ورضي ، ثم قال اليهودي للإمام : صدقت ، انها درعك ، سقطت منك في اليوم الذي ذكرت عن جمل أورق - أي رمادي اللون - فالتقطتها ، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وان محمدا رسول اللَّه . فسرّ الإمام بإسلامه وقال : الدرع لك ومعها هذا الفرس ، وقد فرضت لك 900 درهم . ولم يزل مع الإمام حتى قتل يوم صفّين . . وقد كفانا اليهودي المسلم عن الكلام حول هذه المنقبة والفضيلة . وقال الشريف الرضي : إن شريحا قاضي أمير المؤمنين ( ع ) اشترى على عهده دارا بثمانين دينارا ، فبلغه ذلك فاستدعاه وقال : ( بلغني انك ابتعت دارا إلخ ) . كان الإمام شديدا على عماله وقضاته ، وعلى كل من يأتمنه على عمل ، وكانت مواعظه اللافحة تلهب قلوبهم وأرواحهم خشية الخيانة أو التقصير . . ومن هنا قال من لا يفهم إلا بلغة صكوك البيع والشراء ، قال : علي لا يحسن السياسة . . أجل ، انه لا يحسن ، بل لا يستطيع إطلاقا أن يخون أمانة اللَّه وعيال اللَّه . ويأتي قوله لبعض عماله : ان عملك ليس لك بطعمة ، ولكنه أمانة في عنقك . ( فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك إلخ ) . . لا بأس عليك أبدا أن تشتري أو تبتني بكد اليمين ، اما أن تسكن أو تأكل أو تلبس على حساب الآخرين فإنك تلهو به قليلا ، وفي النهاية وبال عليك وخسران ( اما انك لو كنت اتيتني إلخ ) . . وهذه الحدود التي ذكرها الإمام هي حدود حقيقية للدنيا لا لدار شريح وكفى ، وقد أخذها الإمام من القرآن الكريم الذي قال عن الحياة الدنيا : أنها لعب ولهو وزينة وتفاخر وزخرف وفناء ومتاع الغرور ، وان الآخرة هي دار البقاء ، وان الناجح الرابح من فاز بها لا من فرح يسيرا ، وحزن طويلا . ( فما أدرك هذا المشتري إلخ ) . . المبلبل والسالب والمزيل هو ملك الموت ، ونجّد : من التنجيد أي النقش والتزيين ، والمراد بالاعتقاد هنا ادخار المال لمجرد الكنز والتكديس ، ونظر للولد أي جمع له ليحيا من بعده براحة وهناء ، والمعنى ان كل من بنى جدارا من حرام ، واكتسب درهما من غير حل - فقد أقام حجابا بينه وبين اللَّه ، ثم يجرده الموت من كل شيء ، ويسوقه عريانا إلى العرض على اللَّه للحساب والجزاء تماما كما فعل من قبل ويفعل من بعد بالجبابرة والقياصرة .